الأحد، 4 مارس 2012

جـ4 من ملخص كتاب Positioning كيف تتصرف الشركة رائدة السوق؟

كيف تتصرف الشركة رائدة السوق؟
الفصل التالي من الكتاب يعرض رؤية المؤلفين لطريقة تصرف أول السوق في فئة ما، حيث رأوا من واقع خبرتهم أن الشركة الأولى في مجال ما، والتي أعلنت عن نفسها في مجالها قبل أي منافس آخر، فكانت الأولى في دخول عقول المشترين، حصة هذه الشركة من السوق تكون ضعفي الشركة الثانية في الترتيب، وأربعة أضعاف الثالثة (هذه الحصص تقريبية). في أي مجال، ستجد الاسم التجاري الأول في عقول الناس يبيع أكثر من الثاني. في بعض البلاد العربية تأتي تويوتا كأول سيارة في ترتيب أفضل السيارات في عقول المشترين في هذه البلاد. ثم تأتي نيسان أو هوندا أو فورد. بشكل تلقائي، ستجد أن أرقام مبيعات الشركة الأولى ضعف الشركة الثانية في الترتيب داخل عقول المشترين.
مشكلة المشاكل تقع حين يظن الأول أنه قادر على كسر القانون الذي جعل منه الأول، بمعنى، نعرف كلنا أن شركة زيروكس هي أول وأفضل شركة تصنع ماكينات تصوير الورق. ماذا حدث حين دخل العملاق آي بي اممعترك تصنيع ماكينات تصوير الورق؟ فشلت بجدارة في تحقيق حصة مربحة من سوق بيع تلك الماكينات، حتى اضطرت لبيع القسم كله لشركة كوداك في عام 1988. آي بي ام أكبر وأفضل وأحسن على أصعدة كثيرة حين نقارنها بشركة زيروكس، لكن زيروكس كانت الأولى في مجالها وتحصنت بقوة في هذه المرتبة، ولذا من الصعب جدا زحزحتها عنه، ولو كنت آي بي ام.
الشيء ذاته فعلته شركة كوداك في الماضي حين باغتتها شركة بولارويد بإنتاج الكاميرا الفورية التي تطبع الصور الملتقطة فورا. مجال جديد تماما وأسرعت شركة جديدة لكي تكون الأولى فيه، ولذا حين دخلت كوداك هذا السباق، خسرته ولم تتمكن من بيع كاميرات فورية كثيرة رغم كل الجهود التسويقية.
على الجهة الأخرى، هناك مواقف أخرى تجد فيها أول وثاني السوق قريبين جدا من بعضهما في نظرة الناس وتقييم المشترين لهما، مثل مشروبات بيبسي و كوك. مرة تتقدم هذه ومرة تتأخر، لكن المشكلة تكمن في عقول المستهلكين، فهم لا يحبون أي سؤال له أكثر من إجابة، ويفضلون الإجابات الواضحة بدون أي خلاف أو غموض. في مثل هذا الموقف، على من يريد أن يكون الأول أن يعطي هؤلاء المترددين أسبابا وجيهة ليجعلوه الأول داخل عقولهم.
أخطاء قادة السوق
كم مرة شاهدت فيها إعلانا يزعم صاحبه أنه الأول في مجال ما؟ لقد عرفنا السبب وراء زعم مثل هذا، لكن صاحب مثل هذا الإعلان لم يقرأ كتاب التسويق حتى نهايته، فحين يتباهى أحدهم في إعلانه بأنه الأول في مجال ما، رد فعل المشاهد سيكون الظن بأن القائل غير واثق من نفسه ولذا لجأ لمثل هذه الإعلانات ليؤكد لنفسه ذلك، لكن المشاهد له رأي آخر. على الصعيد النفسي، أي إعلان يحوي كلمة الأول سيكون له مردود سلبي، إما أن يكون الزعم صحيحا وفي هذه الحالة سيتساءل الناس لماذا يكرر الأول حقيقة أنه الأول؟ حتما لأنه يواجه صعوبات جمة وهذا أمر مقلق. أو أن يكون الزعم كاذبا والكذب لا يذهب بعيدا بصاحبه. حين تجد أحدهم يصيح أنا قوي ويكررها، ما الذي سيتبادر إلى ذهنك؟ لماذا التكرار ولماذا هذه المعلومة تحديدا، ثم ستظن به الظنون، ولن تصدقه، ما لم ترى الدليل القاطع.
كانت كوكا كولا تستخدم جملة أنها الشيء الحقيقي The Real Thing ما يجعل أي شيء آخر تقليدا. كان يمكنها أن تقول أنها الأولى، لكن ربما كانت الأولى لرخص ثمنها أو أنها تبيع أعدادا كبيرة من منتجاتها، أما كونها الشيء الحقيقي فهذا أثقل في ميزان تقدير المشترين.
العدو الأول لأي ناجح هو النجاح السريع، إذ يفقده صوابه ويظن أنه عبقري لا يعرف الخطأ إليه سبيلا. حين تظهر توجهات جديدة في السوق، يسارع أول السوق للسخرية منها ويقلل من شأنها، وهذه بداية النهاية. حين لمع نجم محركات الاحتراق الداخلى الدوارة (محرك فانكل – Wankel) في فترة نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، سارعت شركة جنرال موتورز الأمريكية لصناعة السيارات واشترت ترخيص استخدام هذا الاختراع الجديد ودفعت 50 مليون دولار. ما حدث بعد ذلك أن هذا المحرك الجديد لم يحقق نجاحا تجاريا ملموسا، فهل رمت جي ام نقودها في الماء؟
يمكنك قول ذلك، لكن الأدق أن تقول أن الشركة حافظت على استثمارات قدرها أكثر من 8 مليار دولا في هذا الوقت، بأن أنفقت 50 مليون دولار فقط. لو كان هذا الاختراع الجديد أثبت كفاءة وأزاح المحرك البخاري الذي نعرفه عن عرشه، وكانت جي ان أول من اشترى حق استغلاله تجاريا، فهي ستكون بذلك الأولى في السوق الجديدة وكانت ستحافظ على مكانتها وأرباحها. على الجهة الأخرى، لو تجاهلت جي ام هذا المحرك الجديد واستغله منافسوها، وأثبت نجاحه، لكانت هذه نهاية جي ام!
الخطأ القاتل التالي في الخطورة هو حين تظن الشركة أن قوتها نابعة منها لا من منتجاتها، والعكس هو الصحيح، فقوة الشركة نابعة من مدى قوة منتجاتها في السوق، والذي يعتمد بدوره على الموقع الذي تحتله هذه المنتجات في عقول ومخيلات الناس. نعرف جميعا شركة زيروكس بأنها من ابتدع ماكينات تصوير الأوراق، فقط، ولذا حين حاولت زيروكس دخول معترك تصنيع الحواسيب، فشلت في ذلك وخاصمتها المبيعات وفارقتها الأرباح، لأنها لم تكن الأولى في هذا المعترك، رغم أنها أهدت العالم مخترعات مفيدة للغاية، مثل الماوس والواجهة الرسومية وأهدتهما بكل سرور لستيف جوبز والذي أخذهما وبنى عليهما نجاح امبراطوريته ابل.

ألتو Alto صنعته زيروكس في عام 1973 وجعلته يعتمد على واجهة رسومية متقدمة ووفرت له الماوس والتشبيك عبر ايثرنت مع طابعة ليزر في نظام متكامل قائم بذاته. رغم كل التطور التقني لم يبع منه ولو وحدة واحدة
ولعل الخطأ الأخير يكون تجاهل أي رائد وقائد للسوق لعدوه الأول: التغير. عادات الناس تتغير، وتوجهات السوق تحبك اليوم وتتجاهلك غدا، وتتغير الأذواق ويهجرك المعجبون ويفر منك المشترون. ولمواجهة هذا المظهر الطبيعي للحياة، تجد كبار الشركات تدفع بمنتجات جديدة في الأسواق، تحت اسم جديد وإدارة مختلفة، وتجعل المنتج الجديد الثاني في السوق بعد منتجها الأول. بذلك، تباعد بينها وبين المنافسين، فهي تضمن المركز الأول والثاني، وكذلك تجعل هناك مسافة أمان، حتى إذا تغيرت أذواق الناس، أو تغيرت السوق، فانقلبت ضد المنتج الأول، سارع المنتج الثاني ليحل محله ودفعت الشركة بمنتج جديد ليكون الثاني وتحافظ على حدودها الآمنة مع المنافسة.
ذلك يفسر لنا لماذا تملك شركة واحدة عدة أنواع من صابون الغسيل، ولهذا نجد عشرات الأنواع من شامبو الشعر قادمة من شركة واحدة، ولهذا تجد الشركات الكبيرة تأكل / تندمج مع / تبتلع الشركات التالية لها. إنها الحرب الاستراتيجية من أجل البقاء طويلا في أذهان المشترين!
وهنا حيث أقول: فاصل ثم نواصل.
على الجانب:
أعتذر لتأخري الطويل في الكتابة، حيث أني فهمت السبب الذي من أجله قال الشاعر العربي: سئمت تكاليف الحياة…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق